فصل: قال ابن جزي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة النمل: آية 47]:

{قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47)}.
وكان الرجل يخرج مسافرا فيمر بطائر فيزجره، فإن مر سانحا تيمن، وإن مر بارحا تشاءم، فلما نسبوا الخير والشر إلى الطائر، استعير لما كان سببهما من قدر اللّه وقسمته: أو من عمل العبد الذي هو السبب في الرحمة والنقمة. ومنه قالوا: طائر اللّه لا طائرك، أى: قدر اللّه الغالب الذي ينسب إليه الخير والشر، لا طائرك الذي تتشاءم به وتتيمن، فلما قالوا:
اطيرنا بكم، أى: تشاءمنا وكانوا قد قحطوا قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أى سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند اللّه، وهو قدره وقسمته، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. ويجوز أن يريد:
عملكم مكتوب عند اللّه، فمنه نزل بكم ما نزل. عقوبة لكم وفتنة. ومنه قوله طائِرُكُمْ مَعَكُمْ، وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ. وقرئ: تطيرنا بكم، على الأصل. ومعنى: تطير به: تشاءم به.
وتطير منه: نفر منه تُفْتَنُونَ تختبرون. أو تعذبون. أو يفتنكم الشيطان بوسوسته إليكم الطيرة.

.[سورة النمل الآيات: 48- 53]:

{وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (49) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (53)}.
الْمَدِينَةِ الحجر. وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في معنى الجماعة، فكأنه قيل: تسعة أنفس. والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة.
والنفر من الثلاثة إلى التسعة وأسماؤهم عن وهب: الهذيل بن عبد رب. غنم بن غنم. رباب بن مهرج. مصدع بن مهرج. عمير بن كردبة. عاصم بن مخرمة. سبيط بن صدقة. سمعان بن صفى.
قدار بن سالف: وهم الذين سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح عليه السلام، وكانوا من أبناء أشرافهم وَلا يُصْلِحُونَ يعنى أن شأنهم الإفساد البحت الذي لا يخلط بشيء من الصلاح كما ترى بعض المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح تَقاسَمُوا يحتمل أن يكون أمرا وخبرا في محل الحال بإضمار قد، أى: قالوا متقاسمين: وقرئ: تقسموا. وقرئ: لتبيتنه، بالتاء والياء والنون، فتقاسموا- مع النون والتاء- يصح فيه الوجهان. ومع الياء لا يصح إلا أن يكون خبرا.
والتقاسم، والتقسم: كالتظاهر، والتظهر: التحالف. والبيات: مباغتة العدو ليلا. وعن الإسكندر أنه أشير عليه بالبيات فقال: ليس من آيين الملوك استراق الظفر، وقرئ: مهلك بفتح الميم واللام وكسرها من هلك. ومهلك بضم الميم من أهلك. ويحتمل المصدر والزمان والمكان، فإن قلت: كيف يكونون صادقين وقد جحدوا ما فعلوا، فأتوا بالخبر على خلاف المخبر عنه؟ قلت كأنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا صالحا وبيتوا أهله فجمعوا بين البياتين ثم قالوا ما شهدنا مهلك أهله، فذكروا أحدهما: كانوا صادقين، لأنهم فعلوا البياتين جميعا لا أحدهما وفي هذا دليل قاطع على أن الكذب قبيح عند الكفرة الذين لا يعرفون الشرع ونواهيه ولا يخطر ببالهم. ألا ترى أنهم قصدوا قتل نبى اللّه ولم يرضوا لأنفسهم بأن يكونوا كاذبين حتى سووا للصدق في خبرهم حيلة يتفصون بها عن الكذب. مكرهم: ما أخفوه من تدبير الفتك بصالح عليه السلام وأهله. ومكر اللّه: إهلاكهم من حيث لا يشعرون. شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. روى أنه كان لصالح مسجد في الحجر في شعب يصلى فيه، فقالوا: زعم صالح عليه السلام أنه يفرغ منا إلى ثلاث، فنحن نفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث، فخرجوا إلى الشعب وقالوا: إذا جاء يصلى قتلناه ثم رجعنا إلى أهله فقتلناهم، فبعث اللّه صخرة من الهضب حيالهم، فبادروا، فطبقت الصخرة عليهم فم الشعب. فلم يدر قومهم أين هم ولم يدروا ما فعل بقومهم، وعذب اللّه كلا منهم في مكانه، ونجى صالحا ومن معه. وقيل: جاءوا بالليل شاهري سيوفهم، وقد أرسل اللّه الملائكة ملء دار صالح فدمغوهم بالحجارة: يرون الحجارة ولا يرون راميا أَنَّا دَمَّرْناهُمْ استئناف. ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من العاقبة، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره:
هي تدميرهم. أو نصبه على معنى: لأنا. أو على أنه خبر كان، أى: كان عاقبة مكرهم الدمار خاوِيَةً حال عمل فيها ما دل عليه تلك. وقرأ عيسى بن عمر: خاوية، بالرفع على خبر المبتدإ المحذوف.

.[سورة النمل الآيات: 54- 55]:

{وَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55)}.
وَاذكر لُوطًا أو أرسلنا لوطا لدلالة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا عليه. وإِذْ بدل على الأول ظرف على الثاني وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ من بصر القلب، أى: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، وأن اللّه إنما خلق الأنثى للذكر ولم يخلق الذكر للذكر، ولا الأنثى للأنثى، فهي مضادّة للّه في حكمته وحكمه، وعلمكم بذلك أعظم لذنوبكم وأدخل في القبح والسماجة. وفيه دليل على أن القبيح من اللّه أقبح منه من عباده، لأنه أعلم العالمين وأحكم الحاكمين. أو تبصرونها بعضكم من بعض، لأنهم كانوا في ناديهم يرتكبونها معالنين بها، لا يتستر بعضهم من بعض خلاعة ومجانة، وانهما كافى المعصية، وكأن أبا نواس بنى على مذهبهم قوله:
وبح باسم ما تأتى وذرني من الكنى ** فلا خير في اللّذّات من دونها ستر

أو تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. فإن قلت: فسرت تبصرون بالعلم وبعده بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ فكيف يكونون علماء وجهلاء؟ قلت: أراد: تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك. أو تجهلون العاقبة. أو أراد بالجهل. السفاهة والمجانة التي كانوا عليها فإن قلت: تَجْهَلُونَ صفة لقوم، والموصوف لفظه لفظ الغائب، فهلا طابقت الصفة الموصوف فقرئ بالياء دون التاء؟ وكذلك بل أنتم قوم تفتنون؟ قلت: اجتمعت الغيبة والمخاطبة، فغلبت المخاطبة، لأنها أقوى وأرسخ أصلا من الغيبة.

.[سورة النمل الآيات: 56- 58]:

{فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (57) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58)}.
وقرأ الأعمش: جواب قومه، بالرفع. والمشهورة أحسن يَتَطَهَّرُونَ يتنزهون عن القاذورات كلها، فينكرون هذا العمل القذر، ويغيظنا إنكارهم. وعن ابن عباس رضى اللّه عنهما: هو استهزاء قَدَّرْناها قدّرنا كونها مِنَ الْغابِرِينَ كقوله قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ فالتقدير واقع على الغبور في المعنى. اهـ.

.قال ابن جزي:

{ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ} أي تنح إلى مكان قريب لتسمع ما يقولون، وروي أنه دخل عليها من كوّة فألقى إليها الكتاب وتوارى في الكوة، وقيل: إن التقدير انظر ماذا يرجعون، تول عنهم فهو من المقلوب والأول أحسن {مَاذَا يَرْجِعُونَ} من قوله يرجع بعضهم إلى بعض القول.
{قَالَتْ يا أيها الملأ} قبل هذا الكلام محذوف تقديره: فألقى الهدهد إليها الكتاب فقرأته، ثم جمعت أهل ملكها فقالت لهم: يا أيها الملأ {كِتَابٌ كَرِيمٌ} وصفته بالكرم لأنه من عند سليمان، أو لأن فيه اسم الله، أو لأنه مختوم كما جاء في الحديث: كرم الكتاب ختمه {مِن سُلَيْمَانَ} يحتمل أن يكون هذا نص الكتاب بدأ فيه بالعنوان، وأن يكون من كلامها: أخبرتهم أن الكتاب من سليمان {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} يحتمل أن يكون من الانقياد بمعنى مستسلمين، أو يكون من الدخول في الإسلام {أُوْلُو قُوَّةٍ} يحتمل أن يريد قوة الأجساد أو قوة الملك والعدد {وكذلك يَفْعَلُونَ} من كلام الله عز وجل تصديقًا لقولها فيوقف على ما قبله، أو من كلام بلقيس تأكيدًا للمعنى الذي أرادته، وتعني: كذلك يفعل هؤلاء بنا.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل بهدية من نفائس الأموال، قإن كان ملكًا دنيويًا: أرضاه المال، ون كان نبيًا لم يرضه المال، وإنما يرضيه دخولنا في دينه، فبعثت إليه هدية عظيمة وصفها الناس، واختصرنا وصفها لعدم صحته.
{أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} إنكار للهدية لأن الله أغناه عنها بما أعطاه {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} أي أنتم محتاجون إليها فتفرحون بها، وأنا لست كذلك.
{ارجع إِلَيْهِمْ} خطاب للرسول، وقيل: للهدهد، والأول أرجح، لأن قوله: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ} مسند إلى الرسول {لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي لا طاقة لهم بها.
{قَالَ يا أيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} القائل: سليمان، والملأ جماعة من الجن والإنس، وطلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين، لأنه وصف له بعظمة، فأراد أن يأخذه قبل أن يسلموا فيمنع إسلامهم من أخذ أموالهم، فمسلمين على هذا من الدخول في دين الإسلام، وقيل: إنما طلب عرشها قبل أن يأتوه مسلمين ليظهر لهم قوّته، فمسلمين على هذا بمعنى منقادين.
{قَالَ عِفْرِيتٌ} روي عن وهب بن منبه أن اسم هذا العفريت كوزن {قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} قبل أن تقوم من موضع الحكم، وكان يجلس من بكرةَ إلى الظهر، وقيل: معناه قبل أن تستوي من جلوسك قائمًا.
{قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب} هو آصف بن برخيا، وكان رجلًا صالحًا من بني إسرائيل كان يعلم اسم الله الأعظم وقيل: هو الخضر، وقيل هو جبريل، والأول أشهر، وقيل سليمان وهذا بعيد {آتِيكَ بِهِ} في الموضعين: يحتمل أن يكون فعلًا مستقلًا او اسم فاعل {قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} الطرف العين، فالمعنى على هذا قبل أن تغمض بصرك إذا نظرت إلى شيء وقيل: الطرف تحريك الأجفان إذا نظرت {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ} قيل: هنا محذوف تقديره: فجاءه الذي عنده، علم من الكتاب بعرشها، ومعنى مستقرًّا عنده حاصلًا عنده وليس هذا بمستقر الذي يقدر النحويون تعلق المجرورات به خلافًا لمن فهم ذلك {يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ} أي منفعة الشكر لنفسه.
{قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} تنكيره تغيير وصفه وستر بعضه، وقيل: الزيادة فيه والنقص منه، وقصد بذلك اختبار عقلها وفهمها {أتهتدي} يحتمل أن يرتد: تهتدي لمعرفة عرشها، أو للجواب عنه إذا سئلت أو للإيمان.
{فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ} كان عرشها قد وصل قبلها إلى سليمان فأمر بتنكيره، وأن يقال لها أهكذا عرشك؟ أي أمثل هذا عرشك؟ لئلا تفطن أنه هو، فأجابته بقوله: {كَأَنَّهُ هُوَ}. جوابًا عن السؤال، ولم تقل هو تحرزًا من الكذب أو من التحقيق في محل الاحتمال {وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا} هذا من كلام سليمان وقومه لما رأوها قد آمنت قالوا ذلك؛ اعترافًا بنعمة الله عليهم، في أن آتاهم العلم قبل بلقيس، وهداهم للإسلام قبلها، والجملة معطوفة على كلام محذوف تقديره: قد أسلمت هي وعلمت وحدانية الله وصحة النبوّة وأوتينا نحن العلم قبلها.
{وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله} هذا يحتمل أن يكون من كلام سليمان وقومه، أو من كلام الله تعالى، ويحتمل أن يكون {مَا كَانَت تَّعْبُدُ} فاعلًا أو مفعولًا، فإن كان فاعلًا، فالمعنى صدها ما كانت تعبد عن عبادة الله والدخول في الإسلام حتى إلى هذا الوقت، وإن كان مفعولًا: فهو على إسقاط حرف الجر، والمعنى صدها الله أو سليمان عن ما كانت تعبد من دون الله فدخلت في الإسلام.
{قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} الصرح في اللغة هو القصر، وقيل: صحن الدار، روي أن سليمان أمر قبل قدومها فبنى له على طريقها قصرًا من زجاج أبيض، وأجرى الماء من تحته، وألقى فيه دواب البحر من السمك وغيره وضع سريره في صدره فجلس عليه فلما رأته حسبته لجة، واللجة الماء المجتمع كالبحر، فكشفت عن ساقيها لتدخله لما أمرت بدخوله، وروي أن الجن كرهوا تزوج سليمان لها، فقالوا له: أن عقلها مجنون، وإن رجلها كحافر الحمار فاختبر عقلها بتنكير العرش فوجدها عاقلة، واختبر ساقها بالصرح فلما كشف عن ساقيها وجدها أحسن الناس ساقًا، فتزوجها وأقرها على ملكها باليمن، وكان يأتيها مرة في كل شهر، وقيل: أسكنها معه بالشام {قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ} لما ظنت أن الصرح لجة ماء وكشفت عن ساقيها لتدخل الماء قال لها سليمان: إنه صرح ممرّد والممرّد الأملس، وقيل الطويل، والقوارير جمع قارورة وهي الزجاجة.
{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} تعني بكفرها فيما تقدم {وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ} هذا ضرب من ضروب التجنيس.
{فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} الفريقان من آمن ومن كفر؛ واختصامهم؛ اختلافهم وجدالهم في الدين {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ} أي لم تطلبون العذاب قبل الرحمة، أو المعصية قبل الطاعة {قَالُواْ اطيرنا بِكَ} أي تشاءَمنا بك، وكانوا قد أصابهم القحط {قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ الله} أي السبب الذي يحدث عنه خيركم أو شركم: هو عند الله وهو قضاؤه وقدره، وذلك رد عليهم في تطيرهم، ونسبتهم ما أصابهم من القحط إالى صالح عليه السلام.
{وَكَانَ فِي المدينة} يعني مدينة ثمود {يُفْسِدُونَ فِي الأرض} قيل: إنهم كانوا يقرضون الدنانير والدارهم ولفظ الفساد أعم من ذلك {تَقَاسَمُواْ بالله} أي حلفوا بالله، وقيل: إنه فعل ماض وذلك ضعيف، والصحيح أنه فعل أمر قاله بعضهم لبعض، وتعاقدوا عليه {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ} أي لنقتلنه وأهله بالليل، وهذا هو الفعل الذي تحالفوا عليه {ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} أي نتبرأ من دمه إن طلبنا به وليه، ومهلك يحتمل أن يكون اسم مصدر أو زمان أو مكان، فإن قيل: إن قولهم: {مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ} يقتضي التبري من دم أهله، دون التبري من دمه، فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول أنهم رادوا ما شهدنا مهلكه ومهلك أهله، وحذف مهلكه لدلالة قولهم {لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ}، والثاني أن أهل الإنسان قد يراد به هو وهم لقوله: {وأغرقنا آل فرعون} يعني فرعون وقومه، الثالث: أنهم قالوا مهلك أهله خاصة ليكونوا صادقين، فإنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وأرادوا التعريض في كلامهم لئلا يكذبوا.
{وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} يحتمل أن يكون قولهم: {وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} مغالطة مع اعتقادهم أنهم كاذبون، ويحتمل أنهم قصدوا وجهًا من التعريض ليخرجوا به عن الكذب وقد ذكرناه في الجواب الثالث عن مهلك أهله، وهو أنهم قصدوا أن يقتلوا صالحًا وأهله معًا، ثم يقولون: ما شهدنا مهلك أهله وحدهم وإنا لصادقون في ذلك بل يعنون أنهم شهدوا مهلكه ومهلك أهله معًا، وعلى ذلك حمله الزمخشري.
{أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ} روي أن الرهط الذين تقاسموا على قتل صالح اختفوا ليلًا في غار، قريبًا من داره ليخرجوا منه إلى داره بالليل، فوقعت عليهم صخرة فأهلكتهم، ثم هلك قومهم بالصيحة ولم يعلم بعضهم بهلاك بعض، ونجا صالح ومن آمن به {وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} قيل: معناه تبصرون بقلوبكم أنها معصية وقيل: تبصرون بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض، وقيل: تبصرون آثار الكافر قبلكم وما نزل بهم من العذاب {يَتَطَهَّرُونَ} و{الغابرين} {وَأَمْطَرْنَا} قد ذكر. اهـ.